فخر الدين الرازي

220

تفسير الرازي

من رقدة الجهالة ، ونوم الغفلة ، وبه يحصل الانتقال من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ، فظهر أن إطلاق لفظ الروح على الوحي في غاية المناسبة والمشاكلة ، ومما يقوى ذلك أنه تعالى أطلق لفظ الروح على جبريل عليه السلام في قوله : * ( نزل به الروح الأمين * على قلبك ) * ( الشعراء : 193 ، 194 ) وعلى عيسى عليه السلام في قوله : * ( روح الله ) * ( يوسف : 87 ) وإنما حسن هذا الإطلاق ، لأنه حصل بسبب وجودهما حياة القلب وهي الهداية والمعارف ، فلما حسن إطلاق اسم الروح عليهما لهذا المعنى ، فلأن يحسن إطلاق لفظ الروح على الوحي والتنزيل كان ذلك أولى . والقول الثاني ؛ في هذه الآية وهو قول أبي عبيدة إن الروح ههنا جبريل عليه السلام ، والباء في قوله : * ( بالروح ) * بمعنى مع كقولهم خرج فلان بثيابه ، أي مع ثيابه وركب الأمير بسلاحه أي مع سلاحه ، فيكون المعنى : ينزل الملائكة مع الروح وهو جبريل ، والأول أقرب ، وتقرير هذا الوجه : أنه سبحانه وتعالى ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم جبريل وحده ، بل في أكثر الأحوال كان ينزل مع جبريل أفواجاً من الملائكة ، ألا ترى أن في يوم بدر وفي كثير من الغزوات كان ينزل مع جبريل عليه السلام أقوام من الملائكة ، وكان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم تارة ملك الجبال . وتارة ملك البحار . وتارة رضوان . وتارة غيرهم . وقوله : * ( من أمره ) * يعني أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله تعالى ، ونظيره قوله تعالى : * ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) * ( مريم : 64 ) وقوله : * ( لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون ) * ( الأنبياء : 27 ) وقوله : * ( وهم من خشيته مشفقون ) * ( الأنبياء : 28 ) وقوله : * ( يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) * ( النحل : 5 ) وقوله : * ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) * ( التحريم : 6 ) فكل هذه الآيات دالة على أنهم لا يقدمون على عمل من الأعمال إلا بأمر الله تعالى وإذنه ، وقوله : * ( على من يشاء من عباده ) * يريد الأنبياء الذين خصهم الله تعالى برسالته ، وقوله : * ( أن أنذروا ) * قال الزجاج : * ( أن ) * بدل من الروح والمعنى : ينزل الملائكة بأن أنذروا ، أي أعلموا الخلائق أنه لا إله إلا أنا ، والإنذار هو الإعلام مع التخويف . المسألة الثانية : في الآية فوائد : الفائدة الأولى : أن وصول الوحي من الله تعالى إلى الأنبياء لا يكون إلا بواسطة الملائكة ، ومما يقوى ذلك أنه تعالى قال في آخر سورة البقرة : * ( والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) * ( البقرة : 285 ) فبدأ بذكر الله سبحانه ثم أتبعه بذكر الملائكة ، لأنهم هم الذين يتلقون الوحي من الله ابتداء من غير واسطة ، وذلك الوحي هو الكتب ، ثم إن الملائكة يوصلون ذلك الوحي إلى الأنبياء فلا جرم كان الترتيب الصحيح هو الابتداء بذكر الله تعالى ، ثم بذكر الملائكة ، ثم بذكر الكتب وفي الدرجة الرابعة بذكر الرسل .